أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

129

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قراءتهما - وإن لم يكن فيها ألف - فأن تكون الألف حذفت لكثرة الاستعمال . وعلى قول من أبدل كورش حذفت إحدى الألفين لالتقاء الساكنين . وقال أبو شامة : « قلت : الأولى في هذه الكلمة على جميع القراءات فيها أن تكون « ها » للتنبيه ، لأنّا إن جعلناها بدلا من همزة كانت تلك الهمزة همزة استفهام ، و « ها أَنْتُمْ » أينما جاءت في القرآن إنما جاءت للخبر لا للاستفهام ، ولا مانع من ذلك إلا تسهيل من سهّل وحذف من حذف ، أمّا التسهيل فقد سبق تشبيهه بقوله : لَأَعْنَتَكُمْ « 1 » وشبهه ، وأمّا الحذف فيقول : « ها » مثل : « أمّا » كلاهما حرف تنبيه ، وقد ثبت جواز حذف ألف « أما » فكذا حذف ألف « ها » وعلى ذلك قولهم : « أم واللّه لأفعلن » ، وقد حمل البصريون قولهم : « هلمّ » على أنّ الأصل : « هالمّ » ثم حذفت ألف « ها » فكذا : ها أنتم » . قلت : وهو كلام حسن ، إلا أنّ قوله : إنّ ها أنتم حيث جاءت كانت خبرا لا استفهاما » ممنوع ، بل يجوز ذلك ويجوز الاستفهام . انتهى . وذكر الفراء أيضا هنا بحثا بالنسبة إلى القصر والمد فقال : « من أثبت الألف في « ها » واعتقدها للتنبيه ، وكان من مذهبه أن يقصر في المنفصل فقياسه هنا قصر الألف ، حقق الهمزة ، أو سهّلها ، وأمّا من جعلها للتنبيه ومذهبه المدّ في المنفصل أو جعل الهاء مبدلة من همزة استفهام فقياسه أن يمدّ ، سواء حقق الهمزة أو سهّلها » . وأمّا ورش فقد تقدّم عنه وجهان : إبدال الهمزة من « أَنْتُمْ » ألفا وتسهيلها بين بين ، فإذا أبدل مدّ ، وإذا سهّل قصر . وهذا كاف فيما يتعلق بالقراءات وتعريفات مذاهب القرّاء عليها ، وقد تكلّموا بأكثر من ذلك ، ولكن ليس هذا موضعه . إذا عرفت جميع ما تقدم ففي إعراب هذه الآية أوجه : أحدها : أن « أَنْتُمْ » مبتدأ و « هؤُلاءِ » خبره ، والجملة من قوله « حاجَجْتُمْ » جملة مستأنفة مبنية للجملة الأولى ، يعني : أنتم هؤلاء الأشخاص الحمقى ، وبيان حماقتكم وقلة عقولكم أنكم جادلتم فيما لكم به علم بما نطق به التوراة والإنجيل ، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم ؟ ذكر ذلك الزمخشري . الثاني : أن يكون « أَنْتُمْ هؤُلاءِ » مبتدأ وخبرا ، والجملة من « حاجَجْتُمْ » في محلّ نصب على الحال . يدلّ على ذلك تصريح العرب بإبقاء الحال موقعها في قولهم : « ها أنا ذا قائما » ، ثم هذه الحال عندهم من الأحوال اللازمة التي لا يستغني الكلام عنها . الثالث : أن يكون « أَنْتُمْ هؤُلاءِ » على ما تقدم أيضا ، ولكن « هؤُلاءِ » هنا موصول لا يتمّ إلا بصفة وعائد ، وهما الجملة من قوله : « حاجَجْتُمْ » ذكره الزمخشري ، وهذا إنما يتجه عند الكوفيين ، تقديره : ها أنتم الذين حاججتم . الرابع : أن يكون « أنتم » مبتدأ ، و « حاجَجْتُمْ » خبره ، و « هؤُلاءِ » منادى ، وهذا إنما يتجه عند الكوفيين أيضا ، لأنّ حرف النداء لا يحذف من أسماء الإشارة ، وأجازه الكوفيون وأنشدوا : 1332 - إنّ الأولى وصفوا قومي لهم فبهم * هذا اعتصم تلق من عاداك مخذولا « 2 »

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 220 ) . ( 2 ) تقدم .